Yahoo!

الشريعة والقانون

كتبها ابو اسلام ، في 27 أكتوبر 2007 الساعة: 00:27 ص

 
 
 
 
 
الشريعة الإسلامية كمصدر لقانون المعاملات المدنية
 
 
البند الأول: اختلاف وجهات النظر
 
نقصد بمصطلح المعاملات المدنية هنا العلاقات المالية في إطار ما يسمى بالقانون الخاص، والتي يحكمها ما تعارفت عليه الدول العربية باسم القانون المدني ترجمة للمصطلح الفرنسي (Code Civil). وتقسم هذه المعاملات إلى حقوق شخصية (التزامات)، وحقوق عينية. وأول قانون مدني عربي حديث نظم هذه الحقوق بشكل متكامل هو القانون المدني المصري لسنة 1948، والذي كان من أهم مصادر القوانين المدنية العربية الأخرى مثل سوريا (1948) والعراق (1951) والأردن (1976) والكويت (1980).
 
والمشكلة الرئيس التي واجهت واضعو هذه القوانين، هي المصدر الذي يتوجب أن يستمد منه القانون المدني.
 
هل هو الشريعة الإسلامية؟ أم القوانين الغربية؟ وكان هناك على الأقل تياران: الأول ينادي بتطبيق احكام الشريعة الإسلامية كما وردت في مصادرها المختلفة وأهمها الكتاب والسنة. والثاني - ينادي بتطبيق قوانين عصرية بصرف النظر عن وجهة نظر الشريعة الإسلامية في ذلك. ولكل تيار حججه ومناصروه، مما لا يتسع المجال لبحثه تفصيلاً في ورقة العمل هذه. ونكتفي بالقول هنا ان الخلاف بين التيارين، يرجع لعدة عوامل مختلفة من سياسية، وثقافية واجتماعية وتاريخيه ودينية، وربما يكون العامل الديني من أهمها.
 
فوجهة النظر السائدة أو الغالبية في الوسط الإسلامي، ان الإسلام دين ودولة لا انفصام بينهما، وان الله سبحانه وتعالى هو مصدر التشريع على الأرض، وتمثـّل تشريعه في الأحكام الواردة في القران الكريم والسنة النبوية الشريفة. وفي هذا الشأن يقول القران الكريم "ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون". وفي أية أخرى "ومن لم يحكم بما ان انزل الله فأولئك هم الظالمون". وفي أية ثالثة "ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون". وفي أية رابعة: "فأحكم بينهم بما انزل الله"، وغير ذلك من آيات مختلفة. وقواعد الأحكام الواردة في القرآن الكريم والسنة الشريفة، وردت بصيغة مبادئ عامة تصلح لكل زمان ومكان، مثل الحكم بالعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطلب الوفاء بالتعهدات، وطلب كتابة الديون وما إلى ذلك. ومن مثل هذه الأحكام وغيرها، يستطيع المرء ان يصيغ التشريع الذي يراه مناسباً في زمانه ومكانه.
 
أما إذا لم يوجد حكم يمكن الاستناد إليه في القرآن أو السنة، فيمكن عندئذ اللجوء للمصادر الأخرى التي قال بها الفقهاء المسلمون، وهي الإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف. واستناداً لكل ذلك، أو بعضه، أوجد الفقهاء المسلمون قواعد كليه يمكن الاسترشاد بها في وضع أي تشريع تفصيلي. ويمكن ضرب مثال واحد على كل مصدر من هذه المصادر(1).
 
ففي القران الكريم مثلاً يقول الله سبحانه وتعالى "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود". كما يقول بالنسبة للربا "يا أيها الذين اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين …". وبناء عليه، يجب ان يتضمن القانون الوضعي (إن وجد) حكماً يوجب الوفاء بالعقود، وحكما آخر يمنع التعامل بالربا. وفي السنة، ورد حديث عن النبي (ص) يقول انه لا وصية لوارث. وعليه، يجب ان يتضمن التشريع الوضعي حكما مماثلاً.
 
ومن أمثلة الإجماع اجازة عقد الاستصناع، أي إبرام العقد على شيء سيصنع مستقبلا.
ومن أمثلة القياس اعتبار الاجازة الاحقة للتصرف بمثابة الوكالة السابقة، وذلك قياساً على مثل هذه الوكالة.
 
ومن أمثلة الاستحسان اجازة الاقتراض لبعض أنواع السلع الوزنية وإعادة منها عددا بصرف النظر عن التفاوت في الوزن، مع ان مثل هذا التفاوت يعتبر في الأصل من قبيل الربا غير الجائز شرعاً.
 
ومن أمثلة الاستصلاح (أو المصالح المرسلة)، ان القاعدة كانت ان الإكراه المعتد به شرعاً هو الذي يقع من الحاكم. ولكن عندما كثر الإكراه من غيره، أقر الفقهاء ان الإكراه يعتد به سواء وقع من الحاكم أو غيره.
 
ومن أمثلة العرف المثال الذي ذكرناه في الاستحسان، من حيث تعارف الناس على الاقتراض فيما بينهم لسلع وزنية عددية وإعادة جنسها عدداً بالرغم من التفاوت في وزنها.
 
ومن أمثلة القواعد الفقهية الكلية ما قرره الفقهاء بالنسبة للضرر من انه "لا ضرر ولا ضرار" و "الضرر يزال" "والضرر العام يدفع بالخاص والأشد بالأخف".
 
وبناء على ما سبق، تصلح الشريعة الإسلامية بأصولها ومبادئها العامة ان تكون مصدر لأي تشريع في أي زمان ومكان.
 
أما الرأي الآخر، فان من وجهة نظره ان مسائل المعاملات المالية متجددة ومتطورة، ولا بد من وضع تشاريع تناسب هذا الواقع دون التقيد بفكر أو مذهب معين، وبصرف النظر عما ورد في الشريعة الإسلامية أو غيرها، ومن الملاحظ ان كثيراً من تلك المعاملات قد نشأت وتطورت نشأة غريبة، وبالتالي تطورت قوانين الدول الغربية بما يتلاءم وتطور المعاملات المتعلقة بها. لذلك، ليس هناك ما يمنع، بل ربما يكون من الأفضل، الاستناد لتلك القوانين وتبنيها لتحكم المعاملات المماثلة. ويجب ان نواكب هذا التطور ونعدل تشريعاتنا وأحكامنا القانونية من وقت لآخر بما يتلاءم ومصالحنا الواقعية. وليس بالضرورة ان نرجع لكتب الفقه الإسلامي لنعرف الحلول التي أوجدها الفقه، ونحاول تطبيقها.
 
وبعض الدول العربية لجأت إلى الحل الثاني مثل مصر التي يستند قانونها في منهاجه وكثير من نظرياتها وأسلوب صياغته للقانون الفرنسي. ولكن جاء في مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون "بقيت الشريعة الإسلامية كمصدر من المصادر التي استند إليها المشروع وقد استمد مناه كثيرا من نظرياتها العامة وكثيرا من أحكامها التفصيلية". كما جاء فيها "…… ان ما ورد في المشروع من نصوص هو أيضا يمكن تخريجه على احكام الشريعة الإسلامية دون كبير مشقة" ( ج1، ص 20). وبالإضافة إلى ذلك، فقد نصت المادة (1) من القانون المدني المصري على ان مصادر الأحكام المدنية التي يتوجب على القاضي الرجوع إليها لتسوية النزاع المعروض أمامه، هي القانون المدني ذاته، فان لم يجد حكماً يلجأ إلى العرف، ومن ثم يلجأ للشريعة الإسلامية.
 
إلا ان دول أخرى فضّلت ان تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الأول في قانونها المدني مثل الأردن. وفي هذا الشأن انتقد رئيس اللجنة المكلفة بوضع القانون المدني الأردني القانون المدني المصري والسوري والعراقي بقوله ان هذه القوانين: "وان استمدت من الفقه الإسلامي بعض نظرياته وأحكامه، إلا انها كانت في مجموعها وأكثريتها أجنبية عن تراثنا. ويقتضي من رجال القضاء والقانون والعلماء الرجوع إلى تلك المصادر الغريبة عن بيئتنا في تفسيراها وأهدافها مع ان مشروعنا ….. كان في مجموعه وأكثره ويعتمد على تراثنا ومصدر أمجادنا من الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبه مما يربط حاضرنا بماضينا على وجه يقتضي منا الفخر والاعتزاز" (المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني، ج 1، ص 17).
 
وبالنسبة للقانون ذاته قال رئيس اللجنة انه "….. لأول مرة في تاريخ العرب الحديث تقوم المملكة الأردنية الهاشمية بإعداد مشروع قانون مدني، يتناول احكام المعاملات مستمد من الفقه الإسلامي بأحكامه الواسعة المنفتحة على الحياة …. وهو مشروع رائد ينتظره العرب والمسلمون بفارغ الصبر، وهو يحقق رغبة تمناها كثير من رجال القضاء والقانون" (ما سبق، ص 16).
 
وهناك دول ثالثة فضّلت حتى الآن عدم وضع قانون مدني خاص بها، مثل عٌمان، وإنما ضمّنت كثيراً من احكام المعاملات المدنية في قانون آخر هو قانون التجارة رقم (55/90)، وهو ما كانت قد فعلته الكويت قبل قانونها المدني الحالي رقم (68/80)، حيث تم وضع القواعد المدنية آنذاك في قانون التجارة رقم (2/61). ويبدو ان ذلك يرجع إلى عدم رغبة المشرع في سيطرة احد التيارين المشار إليهما أعلاه على التيار الآخر، أو إحداث ضجة لا لزوم لا ما دام بالإمكان تلافيها قانوناً ولكن بطريق غير مباشر(2).
 
البند الثاني: تجربة الأردن
 
مصادر القانون
 
يعتبر الأردن، في رأي البعض، النموذج الذي يمكن ان يحتذي به في وضع قانون مدني مستمد من الشريعة الإسلامية. فكما ذكرنا، صدر القانون المدني الأردني سنة (1976)، وقال واضعوه عنه انه يعتمد على تراثنا ومصدر أمجادنا من الفقه الإسلامي، وانه لأول مرة في تاريخ العرب الحديث يعد الأردن قانوناً مستمداً من الفقه الإسلامي بأحكامه الواسعة (3) .
 
ولكن الواقع، حسبما أراه، غير ذلك. صحيح ان كثيراً من أحكام القانون المدني مستمد من الشريعة الإسلامية كما وردت في مختلف كتب الفقه الإسلامي القديمة. وهذا نجده واضحاً في المعاملات المالية التي عالجها الفقهاء المسلمون منذ مئات السنين. ولكن صحيح أيضاً ان غير ذلك من مواضيع مستجدة لا نجد للفقه الإسلامي أثر يذكر في القانون، لا من حيث المضمون ولا الصياغة. كما انه من الصحيح أيضاً ان القانون المدني استمد كثيراً من أحكامه من القوانين الغربية، وهو ما أشير إليه باختصار فيما يلي(4):
 
أ-   القوانين الغربية
 
يتضمن القانون المدني عشرات بل مئات الأحكام المستمدة أساساً من القوانين الغربية وليس الشريعة الإسلامية، مثل الأحكام الخاصة بتنازع القوانين المكاني ومن ضمنها نظريتا التكييف والإحالة، والأحكام الخاصة بالمسؤولية على أساس الحراسة، والاشتراط لمصلحة الغير، وأحكام التامين، والدعوى غير المباشرة، والمسؤولية عن فعل الغير، ونظرية الظروف الطارئة، وعقود الإذعان، وحقوق الامتياز.
 
وهذه الأحكام، وغيرها كثير، لا علاقة لها بالشريعة الإسلامية، أياً ما كان فهمنا للمقصود من مصطلح "الشريعة الإسلامية"، اللهمّ إلا أن ندعي بأن مصلحة الأمة اقتضت إيراد مثل هذه الأحكام، وما دامت المصلحة من مصادر الشريعة، فان تلك الأحكام مستندة للشريعة. أو أن نجد في كتاب فقهي من ألوف كتابات الفقه الإسلامي على مر العصور، والذي ربما يرجع تأليفه إلى مئات السنين إلى الوراء، رأياً شاذاً آو تمثيلاً لحالة معينة (اجازة مذهب مالك الهبة للجنين مثلاً)، فندعي القياس عليه لتبرير الأخذ بنظرية معينة (الاشتراط لمصلحة الغير)، أو القول ان الشريعة الإسلامية كرهت أو حرّمت الاحتكار في بيع الحاضر للبادئ، مثلاً، لتبرير الأخذ بنظرية عقود الإذعان.
 
ويلاحظ من المذكرة الإيضاحية للقانون، أن المشرع الأردني كان يرجع لمختلف الكتابات الفقهية قديمها وحديثها، علّه يجد مثالاً أو رأياَ، ولو شاذاً، هنا أو هناك في محاولة لتبرير أخذه بهذه النظرية أو تلك وإسنادها أخيراً للشريعة الإسلامية، أو القول أن روح الشريعة لا تخالفها. ولكن الصحيح، والحق يقال، ان

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb